ابن كثير

84

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 115 ] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها ، فدعا صالح عليه السلام ربه فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوه ، فلما ظلموا بها أي كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله وعقروها ، فقال تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [ هود : 65 ] . ولهذا قال تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها فَظَلَمُوا بِها أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها ، فأبادهم اللّه عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر . وقوله تعالى : وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً قال قتادة : إن اللّه تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ، ذكر لنا أن الكوفة وجفت على عهد ابن مسعود رضي اللّه عنه ، فقال : يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه « 1 » ، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مرات ، فقال عمر : أحدثتم واللّه لئن عادت لأفعلن ولأفعلن . وكذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن اللّه عز وجل يخوف بهما عباده ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره - ثم قال - يا أمة محمد واللّه ما أحد أغير من اللّه أن يزني عبده أو تزني أمته ، يا أمة محمد واللّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا » « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 60 ] وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 ) يقول تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم محرضا على إبلاغ رسالته مخبرا له بأنه قد عصمه من الناس ، فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته . وقال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله : وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ أي عصمك منهم ، وقوله : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ الآية ، قال البخاري « 3 » : حدثنا علي بن عبد اللّه حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة ، عن ابن عباس وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال : هي رؤيا عين أريها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 99 ، 100 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الكسوف باب 1 ، 6 ، 13 ، 15 ، ومسلم في الكسوف حديث 6 ، 10 ، 17 ، 21 ، 22 ، 29 ، وابن ماجة في الإقامة باب 152 ، وأحمد في المسند 6 / 87 ، 168 . ( 3 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 17 ، باب 9 .